صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

14

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

لربّه ومحبّة الرّبّ لعبده ، ودليل الأولى هي اتّباع المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم . أمّا الثّانية فهي ثمرة ذلك الاتّباع ويؤكّد ذلك قول اللّه تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( آل عمران / 31 ) ، ولذلك أطلق على هذه الآية الكريمة آية المحبّة ، يقول أبو سليمان الدّارانيّ : لمّا ادّعت القلوب محبّة اللّه عزّ وجلّ أنزل اللّه هذه الآية محنة « 1 » ( أي اختبارا وامتحانا لهذه القلوب ) . ومعنى هذه الآية - كما يقول الطّبريّ - قل يا محمّد لوفد نصارى نجران إن كنتم تزعمون أنّكم تحبّون اللّه فحققوا قولكم الّذي تقولونه إن كنتم صادقين باتّباعكم إيّاي فإنّكم تعلمون أنّي رسول اللّه إليكم كما كان عيسى - عليه السّلام - رسولا إلى من أرسله اللّه إليهم « 2 » . وقد فسّر بعضهم المحبّة بالاتّباع والطّاعة من جانب العباد ومحبّة اللّه لعباده بإنعامه عليهم بالغفران فقال : محبّة العبد للّه ورسوله طاعته لهما واتّباعه أمرهما ومحبّة اللّه للعباد إنعامه عليهم بالغفران « 3 » . وقال سهل بن عبد اللّه : علامة حبّ اللّه حبّ القرآن وعلامة حبّ القرآن حبّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعلامة حبّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حبّ السّنّة ، وعلامة ذلك كلّه حبّ الآخرة « 4 » ، وهذه الآية الكريمة حاكمة على كلّ من ادّعى محبّة اللّه وليس هو على الطّريقة المحمّديّة بأنّه كاذب في نفس الأمر حتّى يتّبع الشّرع المحمّديّ والدّين النّبويّ في جميع أقواله وأفعاله ، والمراد ب يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أنّه يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبّتكم إيّاه وهو محبّته إيّاكم وهذا أعظم من الأوّل إذ ليس الشّأن أن تحبّ إنّما الشّأن أن تحبّ « 5 » . يقول ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - في قوله تعالى في الآية السّابقة : يحببكم اللّه إشارة إلى دليل المحبّة وثمرتها وفائدتها فدليلها وعلامتها اتّباع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وفائدة الاتّباع وثمرته محبّة اللّه عزّ وجلّ فإذا لم تحصل المتابعة فليست المحبّة بحاصلة ، وقال أيضا : وعلى ذلك فإنّه لا تنال محبّة اللّه عزّ وجلّ إلّا باتّباع الحبيب صلّى اللّه عليه وسلّم « 6 » ، والخلاصة أنّ الاتّباع علامة على صدق العبد في حبّه للّه تعالى وأنّ ثمرة هذا الاتّباع هي محبّة اللّه عزّ وجلّ وغفرانه . الاتباع في القرآن الكريم : ورد الاتّباع في القرآن الكريم مأمورا به ومنهيّا عنه ، فالمنهيّ عنه هو اتّباع الهوى والشّيطان والظّنّ والكفّار وما أشبه ذلك ، أمّا المأمور به فقد ورد على صور عديدة منها اتّباع الرّسل ، ومنها اتّباع الوحي والشّريعة والهدى وصالح المؤمنين ، وسنصنّف آيات الاتّباع المأمور به وفقا لما أمر باتّباعه . [ انظر أيضا صفات : الأسوة الحسنة ، الحكم بما أنزل اللّه ، مجاهدة النفس ، الاعتصام ، الطاعة . وفي ضد ذلك انظر : صفات : اتباع الهوى ، الابتداع ، الغلو ، القدوة السيئة ، الإعراض ، الحكم بغير ما أنزل اللّه ] .

--> ( 1 ) مدارج السالكين ( 3 / 22 ) . ( 2 ) باختصار عن تفسير الطبري ( 3 / 156 ) . ( 3 ) تفسير القرطبي ( 4 / 40 ) . ( 4 ) المرجع السابق نفسه ، الصفحة نفسها . ( 5 ) تفسير ابن كثير ( 1 / 358 ) . ( 6 ) مدارج السالكين بتصرف ( 3 / 22 - 39 ) .